مجمع البحوث الاسلامية
510
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ماؤها ولا يرتفع ، أو يرى خياله في الماء من بعيد فلا يصل إليه ، أو بلغ به العطش مبلغا فيموت وكفّاه في الماء لا يبلغان فاه ، أو يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بكفّه فلا يأتيه ؛ إذ الماء جماد لا يشعر ببسط كفّيه ولا بعطشه ، أو من بسط كفّيه إلى الماء بلا اغتراف ولا قبض ، أو من بسط كفّيه إلى الماء دون أن يكون معه إناء ، أو يقبض الماء بيده والماء يخرج من بين أصابعه ، والعرب تضرب المثل لمن يسعى فيما لا يدركه بالقابض على الماء ، أو الرّاقم على الماء . وكلّ ذلك وجوه في تفسير هذا المثل ، بعضها أقرب من بعض وألطف ، والمتيقّن منها عدم وصول كفّيه إلى الماء لبعده منه ، وهذا معنى ( وما هو ببالغه ) ، أي الباسط كفّيه إلى الماء لا يبلغ الماء ، ولا يصل إليه لبعده . ومن قال : إنّ دعاءه الماء لا ينفعه ، أراد تطبيق المثل على الممثّل به ، أي دعاء الكفّار للآلهة فلا تلبّي دعوتهم ، لأنّها لا تشعر ، كالمستغيث بالماء من العطش فلا يغيثه ، لأنّه جماد لا يشعر . ولا داعي لهذا التّطبيق الشّامل ، وإنّما يكفي في المثل انطباقه على الممثّل به في جهة دون انطباقه عليه في جميع الجهات . فقولنا : « زيد أسد » ، أي شجاع ، لا يستوجب أن يكون له براثن أو ذنب أو صفة الضّواري كالافتراس ، لأنّ وجه الشّبه هو الشّجاعة فقط . ووجه الشّبه في الآية : خيبة سعيهم ، وعدم بلوغهم ما يريدون . كما أنّ من قال : إنّ معناه من مات وكفّاه في الماء ، أو بسط كفّيه بلا اغتراف ولا قبض ولا إناء ، أو من قبض الماء وخرج من بين أصابعه إلى غير ذلك ، لا شاهد له في الآية ، جرّه إليها مثل آخر للعرب « كالقابض على الماء » أو « كالرّاقم على الماء » . 2 - الاستثناء في لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ قيل : إنّه مفرّغ ، أي استجابة كاستجابة الماء لباسط كفّيه إليه ، والإضافة إلى المفعول والفاعل الماء ، كقوله : لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ فصّلت : 49 ، أو إضافة إلى الفاعل وهو « باسط » ، وهو يستلزم الإضافة إلى المفعول ، أي كاستجابة الماء لمن يبسط كفّيه إليه . قالوا : والتّشبيه على هذا من المركّب التّمثيليّ ، في الأصل أبرز في معرض التّهكّم ؛ حيث أثبت أنّهما استجابتان زيادة في التّحسير والتّخسير . وهذا مبنيّ على التّشبيه الشّامل للدّعاء ، وقد رفضناه ، وعليه فالاستثناء منقطع والتّشبيه مفرد ، أي لا يستجيبون لهم بشيء ، ولا ينفعهم كما لا ينفع من يبسط يده إلى الماء ، ولا يصل إليه منه شيئا . قال الطّباطبائيّ : « أي لا يحصل لهم إلّا صورة الدّعاء ، كما لا يحصل لذلك الباسط إلّا صورة الطّلب ببسط الكفّين . . . ولا يتضمّن إلّا صورة الاستثناء ، أي لا ينالوا بدعائهم إلّا أن لا ينالوا شيئا ، والاستثناء مفرّغ . ولعلّ الاستجابة تتضمّن معنى النّيل ونحوه » ، انتهى ملخّصا . فإذا قدّر أو ضمّن معنى النّيل فالاستثناء منقطع كما قلنا ، ولا تقدّر الاستجابة حتّى تضاف إلى الفاعل أو المفعول ، بل التّشبيه والتّمثيل مركّزان في بطلان سعيهم وصفر أيديهم . 3 - قيل في وَما هُوَ بِبالِغِهِ : الماء لا يبلغ فاه ، أو